الشوكاني
49
فتح القدير
بكسر الراء كدنف ودنف ، وأصل الحرض : الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم ، حكى ذلك عن أبي عبيدة وغيره ، ومنه قول الشاعر : سرى همي فأمرضني * وقد ما زادني مرضا * كذاك الحب قبل اليوم * مما يورث الحرضا وقيل الحرض : ما دون الموت ، وقيل الهرم ، وقيل الحارض : البالي الدائر . وقال الفراء : الحارض : الفاسد الجسم والعقل ، وكذا الحرض . وقال مؤرج : هو الذائب من الهم ، ويدل عليه قول الشاعر : إني امرؤ لج بي حب فأحرضني * حتى بليت وحتى شفني السقم ويقال رجل محرض ، ومنه قول الشاعر : طلبته الخيل يوما كاملا * ولو ألفته لأضحى محرضا قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم : إذا أسقمه . ورجل حارض : أي أحمق . وقال الأخفش : الحارض الذاهب . وقال ابن الأنباري : هو الهالك . والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة حتى يكون لقوله ( أو تكون من الهالكين ) معنى غير معنى الحرض ، فالتأسيس أولى من التأكيد ، ومعنى من الهالكين : من الميتين ، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه ( قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) هذه الجملة مستأنفة ، كأنه قيل فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا ؟ والبث : ما يرد على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا يقدر على إخفائها . كذا قال أهل اللغة ، وهو مأخوذ من بثثته : أي فرقته ، فسميت المصيبة بثا مجازا . قال ذو الرمة : وقفت على ربع لمية يا فتى * فما زلت أبكى عنده وأخاطبه * وأسقيه حتى كاد مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزنا ، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثا ، فالبث على هذا : أعظم الحزن وأصعبه ، وقيل البث : الهم ، وقيل هو الحاجة ، وعلى هذا القول يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى . وأما على تفسير البث بالحزن العظيم ، فكأنه قال : إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن إلى الله لا إلى غيره من الناس . وقد قرئ " حزني " بضم الحاء وسكون الزاي " وحزني " بفتحهما ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) أي أعلم من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة ما لا تعلمونه أنتم ، وقيل أراد علمه بأن يوسف حي ، وقيل أراد علمه بأن رؤياه صادقة ، وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله مالا تعلمون ( يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ) التحسس بمهملات : طلب الشئ بالحواس ، مأخوذ من الحس ، أو من الإحساس : أي اذهبوا فتعرفوا خبر يوسف وأخيه وتطلبوه . وقرئ بالجيم ، وهو أيضا التطلب ( ولا تيأسوا من روح الله ) أي لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه . قال الأصمعي : الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه ، والتركيب يدل على الحركة والهزة . فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو روح وحكى الواحدي عن الأصمعي أيضا أنه قال : الروح الاستراحة من غم القلب . وقال أبو عمرو : الروح الفرج ، وقيل الرحمة ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه ، وعظيم صنعه ، 7 - فتح القدير - 3 -